عن تقييم المفاوضات السورية- “الإسرائيلية”
عربي 21
31/8/2026
إحدى هذه القضايا التي ضاقت فيها مؤخراً مساحات النقاش الرصين مسار التفاوض بين القيادة السورية ودولة الاحتلال “إسرائيل“، والذي تُرك إلى حد بعيد -وباستثناءات قليلة- لتنتهشه ثنائية التخوين والتبرير، فضلاً عن مسارات من النقاش والمقارنات المقحمة إقحاماً وليست ذات صلة.
في المقام الأول، ليس هناك من يجادل بخصوص الظروف الصعبة التي تمر بها سوريا اليوم ولا سيما في مواجهة العدوان “الإسرائيلي”. فقد ورثت القيادة الحالية بلداً متهالكاً بعد استنزاف 14 عاماً، ودمّرت دولة الاحتلال معظم أسلحته ومقدراته، ويحصل فقط على دعم محدود يكاد ينعدم في مواجهة هذه الاعتداءات؛ من توسيع الاحتلال للقصف المتكرر للاغتيالات والاعتقالات، وصولاً للتدخل في الشأن الداخلي والسعي لتقسيم سوريا أو إضعافها أو جرّها للتطبيع على غرار الاتفاقات “الإبراهيمية”، يضاف لذلك ما تعانيه البلاد من أوضاع اقتصادية وسياسية وعسكرية وأمنية ومجتمعية غير مستقرة، وتحديات غير مسبوقة، مع أولويات بناء الدولة وإنهاض المجتمع، في ظل إمكانات محدودة أصلاً.
لا يماري في تلك الحقائق والوقائع أحد، كما لا يجادل في ضيق خيارات الدولة السورية (وليس انتفاءها) اليوم في مواجهة “إسرائيل”. بيد أن كل ذلك لا يتعارض مع مبدئية نقاش المسار التفاوضي من حيث المبدأ (من زاوية التطبيع تحديداً)، كما من حيث التفاصيل الفنية، فضلاً عن المآلات الحالية والمتوقعة مستقبلاً. بل لعل كل ما سبق يجعل هذه النقاش -مرة أخرى- ضرورياً وذا فائدة حيوية ومباشرة.
كان من اللافت أن نخباً عديدة نفت عن مسار التفاوض الحالي بين سوريا و”إسرائيل” صفة “التطبيع”، من باب أنه “ليس هناك اتفاقات سلام أو علاقات” على غرار بعض الدول العربية المطبّعة معها. والحقيقة أن هناك خللاً واضحاً في تعريف المصطلح، فأصل “التطبيع” هو التعامل مع “إسرائيل” كدولة “طبيعية” من دول المنطقة تحكم العلاقات معها حسابات سياسية و/أو اقتصادية وغير ذلك، بينما يفترض أن يكون الموقف منها رفض الاعتراف بها ونفي انتمائها للمنطقة، ومن هنا انبثقت التعريفات المختلفة للتطبيع؛ إن كان من جهات سياسية أو ناشطة مثل حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS).
وبالنظر لمسار التفاوض بين “إسرائيل” وسوريا، سنجد أن الأخيرة كسرت حاجزاً سابقاً بين الجانبين وانتهجت المفاوضات المباشرة، إضافة إلى أنها لا تضع نفسها في مواجهة مع “إسرائيل” ولو بمعنى الاشتباك السياسي والإعلامي. بل إن الخطاب الرسمي عانى من ثغرات وأخطاء عديدة ما زال يُنتقد عليها؛ من قبيل عدَّ القصف والعدوان “غير مبرر” (وكأن هناك قصفاً مبرراً)، أو الاعتراف بـ”مخاوف إسرائيل الأمنية” والاستعداد لتهدئتها، وغياب الجولان سابقاً عن عدة خطابات وبيانات (تبدّل ذلك لاحقاً وباتت الجولان حاضرة بوضوح).
ما ينبغي التأكيد عليه أن اختلاف التحليل/التفسير بين حالة وأخرى حسب سياقها وفاعليها ونتائجها لا يمنع رفضها جميعاً كموقف أخلاقي مبدئي لا مجاملة فيه، فهوية الفاعل لا علاقة لها بتعريف التطبيع ولا الموقف منه.
كان لصاحب هذه السطور كتابات سابقة في التفريق بين التطبيع الإماراتي والتركي تحليلاً وتفسيراً مع ضرورة الجمع بينهما في الإدانة المبدئية. وكتبت في آذار/مارس 2022 مقالاً بعنوان “زيارة هرتسوغ لتركيا.. الإدانة وما بعدها”، أكدت فيه على عدة ركائز في النقاش، أهمها أن عوامل مثل تاريخ العلاقات بين تركيا و”إسرائيل” و”الثقة” بالرئيس أردوغان وحضور تركيا في القضية الفلسطينية لا تمنع إدانة الزيارة كموقف أخلاقي، وأن “إدانة الفعل لا تعني إلغاء الفاعل أو شطب تاريخه”، وأنها موقف عقلاني واستراتيجي بقدر ما هو أخلاقي، بينما التبرير هو الموقف العاطفي بعينه، مع تحذير واضح من “تحويل التفسير إلى تبرير والفهم إلى تفهم”.
ثانياً، في الشكل والمضمون، ثمة ما يدعو للقلق في المسار التفاوضي، حيث يجري تحت الضغط والنار، وبدون أوراق قوة، وبوساطة الجانب الأمريكي المنحاز بشكل سافر لدولة الاحتلال (بغض النظر عن خطابه وبعض قراراته بخصوص سوريا التي لها أكثر من تفسير)، بل يرجّح أن يكون أعطى الضوء الأخضر للعدوان وتحديداً على مطار أبو الظهور، فضلاً عن حصر خيارات دمشق في المسار التفاوضي دون استخدام بل والتلويح باستخدام أي أدوات أخرى ولو كانت الشكوى الدبلوماسية أو الاحتجاج الشعبي.
ثالثاً، في النتائج الأولية للمفاوضات، من الواضح أنها لم توقف العدوان ولا لجمت حكومة نتنياهو، بل إن القصف المتكرر لسوريا بات يسبق جولات التفاوض ويتبعها مباشرة، بمعنى أن ما هو غائب ليس فقط الفائدة المرجوة من اللقاءات، ولكن كذلك الاشتراط السوري بوقف العدوان لحضورها. يعني كل ذلك، وخصوصاً حصرية التفاوض وافتقاد أوراق القوة، أن المسار محكوم إما بالفشل أو الوصول لنتائج تشمل تنازلات سورية قد تكون جوهرية، لا سيما إذا ما نظرنا للمطالب والشروط “الإسرائيلية” المطروحة على طاولة التفاوض.
رابعاً، ثمة مقارنات عقدها البعض مع مفاوضات طالبان مع الولايات المتحدة وحماس مع “إسرائيل”، وغاب عنهم -أو غيّبوا عمداً- المواجهة العسكرية في الحالتين بما يجعل المفاوضات مخرجاً متكرراً ومتوقعاً، فضلاً عن الفارق الجوهري بين “إسرائيل” ككيان استيطاني إحلالي غير معترف به وأي دولة أخرى (أمريكا هنا).
خامساً، يركز الحِجاج المبرِّر للمفاوضات على وضع سوريا الصعب اليوم وضيق خياراتها، بينما يتجاهل البيان الأمريكي- السوري- “الإسرائيلي” المشترك بخصوص المفاوضات، والذي غاب فيه توصيف “الاحتلال” والممارسات “الإسرائيلية”، وتحدث عن “تسهيل التنسيق الفوري والمستمر فيما يتعلق بتبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، والانخراط الدبلوماسي، والفرص التجارية”، وهو بيان أصدرته الخارجية الأمريكية باسم الأطراف الثلاثة ولم يصدر عن دمشق ما يعارضه أو يقدم شرحاً له أو تمايزاً عنه. ويضاف لذلك أن الرئيس الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني تحدثا مراراً عن أن الاتفاق الأمني الذي تسعى له دمشق قد يفتح الباب على اتفاق سلام شامل مستقبلاً.
خامساً وأخيراً، من أهم ما يقلق في الأمر غياب الحساسية الشعبية والنخبوية ونقد المسار إلى حد كبير، لصالح تفهّم الحاجة له بدعوى الاضطرار تارة والثقة بالقيادة تارة أخرى. وهو أمر بالغ الخطورة، إذ إن الرقابة الشعبية من أهم ما يعوّل عليه في ضبط المسارات السياسية الاختيارية أو الاضطرارية للسياسيين، بينما قد يساهم التبرير والتفهم في الانزلاق نحو تنازلات أو أخطاء يمكن تفاديها.
مسألة الثقة تحيل إلى ماضي القيادة السورية وأيديولوجيتها الإسلامية وبعض خطاباتها السابقة الموثقة في بعض التسجيلات، فضلاً عن فكرة المناورة وكسب الوقت وتأجيل المواجهة قدر الإمكان، وهو أمر وارد وممكن دون القدرة على الجزم به أو التأكد منه. لكن حسن الظن، إن سلمنا بدور له في التحليل السياسي، يمكن أن يدفع للتروي وعدم الجنوح للاتهام والتخوين والتحشيد، لكنه لا ينبغي بحال أن يدفع لتقبل التطبيع أو تفهمه فضلاً عن التبرير له.
وفي الختام، أرى من الفائدة الإشارة لأمرين بالغَيْ الأهمية:
الأول أن نقد بعض خيارات ومسارات وقرارات قيادة أي بلد لا تعني الترصد لهذه القيادة ولا العداء مع الدولة فضلاً عن الشقاق والكراهية مع شعبها. حصول خطاب منحرف من هذا النوع، إن حصل، يوجب مواجهته لا رفض النقد بدعوى الحرص على وشائج الأخوة بين الشعوب، التي لا يختلف عليها أحد.
والثاني أن النقد ليس فقط حالة صحية وضرورية لضبط المسارات السياسية وتحصينها من الزلل، لكنه كذلك أثبت تأثيره واستجابة السلطات له في سوريا على وجه التحديد في عدد من المحطات والملفات.
ولذلك، ونحن ننظر من عدسة الوطن والعالم العربي والأمة الإسلامية والهم المشترك والحرص على سوريا الدولة والشعب، ينبغي أن نحذر أشد الحذر من الوقوع في خطأ تبرير المسار التفاوضي الحالي الذي تعتريه العديد من الأخطاء، فضلاً عن نتائجه المتوقعة/المحتملة المقلقة.
وفي كل ذلك، ونحن نلتزم الموقف النقدي والراصد للمسار، نأمل وندعو لسوريا بالخير والقوة والمنعة، لا سيما وأن أي تحليل رصين يؤكد أن الصدام مع “إسرائيل” حتمي لأسباب تتعلق بنظرة الأخيرة لسوريا وقيادتها والمنطقة، فضلاً عن تغير نظريتها الأمنية بعد السابع من أكتوبر.