هل ستسلم حماس سلاحها؟
عربي 21
3/8/2026
شكّل الخبر صدمة لدى أنصار المقاومة الفلسطينية، وشماتة لدى بعض خصومها، لا سيما وأن بعض وسائل الإعلام قدمت الأمر على أنه “تسليم للسلاح” بهذا التوصيف والتعميم.
وحتى بعيداً عن تضخيم الحدث وزاوية تقديمه، يبقى توقيع المقاومة الفلسطينية على بند يتعلق بسلاحها صادماً ومعبراً عن أزمة كبيرة واختلال فادح في موازين القوى، خصوصاً وأن الاحتلال الذي ارتكب الإبادة وما زال؛ لا يتعرض لضغوط مماثلة في المقابل.
ليس من الصعب توقع الدافع الرئيس لحماس ومعها الفصائل الفلسطينية في موافقتها على أمر من هذا القبيل، فهدفها منذ وقف إطلاق النار هو منع عودة الحرب وإنهاؤها تماماً من جهة، وتحسين الوضع الإنساني في قطاع غزة من جهة أخرى، خصوصاً وأن الاحتلال لم يطبق التزاماته في المرحلة الأولى من الاتفاق، بل على العكس وسّع مناطق احتلاله واستمر في الاغتيالات والقصف والانتهاكات، مستغلاً الوضع الإنساني في القطاع لإدامة الضغط على المفاوض الفلسطيني.
فهل سلّمت أو ستسلم حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية سلاحها؟ وهل يعني ذلك استسلامها؟
في المقام الأول، فإن ما وقعت عليه الفصائل وفي مقدمتها حماس ليس تسليماً للسلاح، لا لدولة الاحتلال ولا لغيرها، وإنما -وفق النصوص المنشورة التي أكدتها التصريحات- حصر السلاح الثقيل وإيداعه لدى جهة فلسطينية هي اللجنة الوطنية التي يفترض أن تدير القطاع.
بمعنى أن الموافَق عليه هو “تخزين” السلاح لا “تسليمه”، ولجهة فلسطينية لا دولة الاحتلال، فضلاً عن كون الأمر محصوراً في “السلاح الثقيل”، والذي وإن لم يفسَّر بشكل تفصيلي كتابة؛ يحيل إلى أسلحة من قبيل الصواريخ التي لم تعد مستخدمة في شهور الحرب الأخيرة ويتعذر استخدامها في ظل الواقع الحالي للقطاع من حيث توسع مناطق الاحتلال والاكتظاظ السكاني في الشريط الساحلي.
أما ما دون ذلك، وتحديداً السلاح الفردي، فلم يتطرق له في النص المقترح ولا بدت أي إشارات عليه حتى الآن، فضلاً عن أن يشمل التطرق لفكرة المقاومة أو مشروعها ومشروعيتها.
من جهة أخرى، فإن النص الموافَق عليه يشترط لهذه الخطوة على الاحتلال، من قبيل الانسحاب وإدخال المساعدات وفتح المعابر، وهي في معظمها متطلبات المرحلة الأولى، وبشكل متزامن بمنطق الخطوة مقابل خطوة. أي أن الهدف هنا هو معالجة الوضع الإنساني في القطاع، والذي ما زال ورقة الضغط الكبرى على الجانب الفلسطيني.
الأهم ربما أنه ليس هناك ضمانات على موافقة حكومة الاحتلال على هذا المقترح، فضلاً عن الالتزام بتطبيقه. بهذا المعنى قد تكون الحركة الفلسطينية تراهن على فكرة “رمي الكرة في ملعب الاحتلال” وسحب الذرائع وتعزيز فكرة أنها ليست من تعطل الاتفاق، أو قد تكون تراهن على الموافقة على شي لن يتحقق على الأرض الواقع، لكنه رهان قد لا ينجح كما سيأتي ذكره.
في الخلاصة، يمكن قراءة الموافقة الفلسطينية وتحديداً الحمساوية من ثلاث زوايا؛ أولوية وقف الحرب في ظل اختلال موازين القوى، والرهان على عدم التطبيق بسبب رفض الاحتلال، والتطبيق غير المؤثر في حال حصل.
ليس هذه محاولة لتبرير الخطوة أو تجميل الصورة، لا يمكن إنكار ضعف الموقف الفلسطيني المقاوم الذي تُرك وحيداً في الميدان والسياسة (باستثناءات بسيطة وغير مؤثرة)، وافتقاده لأوراق ضغط حقيقية على دولة الاحتلال، ومعاكسة الواقع العربي والإقليمي له إلى حد كبير، وضغط الكارثة الإنسانية في القطاع. يضاف لكل ذلك سوء الخطوة ومخاطرها، فليس من المصلحة التغافل عن خطورة توقيع المقاومة الفلسطينية على أي نص يحمل معنى التخلي عن (بعض) السلاح، بغض النظر عن السياق والتطبيق، فهو أمر كان وينبغي أن يبقى ضمن المحرمات والخطوط الحمراء، ما دام الاحتلال قائماً.
الأخطر هو أن يتكرر سيناريو المفاوضات مرة أخرى، بأن ترفض حكومة نتنياهو المقترح، ثم يحوّله الوسطاء إلى سقف جديد للتفاوض سعياً لسقف أوطأ وتنازلات جديدة من حماس والفصائل. وهذا تخوف حقيقي في ظل نهج المفاوضات المستمر منذ بداية الحرب، والذي ثبّت نموذج التفاوض والقبول ثم الالتزام الفلسطيني والتنصل “الإسرائيلي” ثم استئناف التفاوض من النقطة التي وافق عليها الفلسطينيون.
وعلى هامش هذا النقاش، فإن ما حصل يشكل قرينة إضافية على أن أي مرونة مماثلة لو حصلت سابقاً من حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية لم تكن على الأرجح ستؤدي لوقف الحرب، ببساطة لأن حكومة نتنياهو لم تكن لتقبل ذلك بديلاً عن تنفيذ خططها الجاهزة لغزة والقضية الفلسطينية عموماً.
حماس مطالبة بإعادة النظر في مجمل ملف التفاوض، وبدراسة المرحلة السابقة بكل إيجابيتها وسلبياتها. لكن، في المقابل، ليس ثمة مصلحة في إشاعة جو الهزيمة والاستسلام، وخصوصاً من جهات معروفة تسعى بوافر جهدها لتأكيد صحة مسار أوسلو وما تبعه من كوارث من باب أنكم “وصلتم لما وصلنا إليه”، رغم أن الأمر أبعد ما يكون عن مسار أوسلو الذي شمل اعترافاً بالاحتلال، ونبذاً للمقاومة باسم “الإرهاب”، وعملاً مباشراً ضدها.
الأهم من كل ما سبق أن العدوان ما زال مستمراً، والإبادة كذلك وإن بوتيرة أقل زخماً. ما يعني أن آخر ما يحتاجه الفلسطينيون اليوم هو التلاوم وتسجيل المواقف (وهو أمر مختلف عن سياق النقد والمراجعات والتصويب)، وأن واجبهم ومسؤوليتهم ما زالت العمل بكل الوسائل كل من موقعه لتحقيق الأهداف الوطنية وتجنيب الشعب -وخصوصاً في غزة- المآلات الكارثية التي يريدها الاحتلال له.