سعيد الحاج

طبيب وكاتب فلسطيني

باحث سياسي مختص في الشأن التركي

ليست مجرد انتخابات بلدية

0

لأسباب كثيرة وبتأثير عوامل عدة لم تعد الانتخابات المزمع عقدها في الثلاثين من شهر آذار/مارس الجاري في تركيا مجرد انتخابات بلدية عادية، ولا تأثيراتها محددة في عملية اختيار رؤساء البلديات خلال ذلك اليوم. سلسلة من الأسباب، بدءاً من تطور ادعاءات فساد الحكومة على مدى ثلاثة أشهر، مروراً بالتحالفات الانتخابية القائمة، وانتهاءً بالحملات الانتخابية المنظمة، توحي بشبه استفتاء على حزب العدالة والتنمية ورئيسه، وغالب الظن أن نتيجتها ستحدد مصير عدة ملفات حساسة بعد إعلان النتيجة.

ذلك أن الاتهامات بالرشاوى والفساد التي بدأت في السابع عشر من كانون أول/ديسمبر الماضي واستقال على إثرها أربعة وزراء استمرت لاحقاً على شكل تسريبات صوتية شملت العديد من المسؤولين ووصلت إلى اردوغان نفسه ودائرته المقربة. الأمر الذي سيجعل في نسبة التصويت للعدالة والتنمية في الجولة الانتخابية القادمة إشارة لمدى تصديق الشعب لهذه الاتهامات. كما أن الحملة التي شنتها الحكومة منذ ذلك الوقت ضد ما أسمته “التنظيم الموازي”، والذي تتهمه بالتآمر على الدولة والتنصت على قياداتها العليا، تعطي النتيجة بعداً استقصائياً حول مدى تأييد الشعب لهذه الخطوات الحكومية التي تعتبرها المعارضة تغولاً على القضاء ومحاولة من الحكومة للتغطية على قضية الفساد المثارة ضدها وإغلاقها.

وفي حين لا تفتأ وسائل الإعلام الدائرة في فلك المعارضة أو جماعة الداعية فتح الله كولن تردد ادعاء انخفاض نسبة تأييد العدالة والتنمية في الشارع التركي على خلفية قضية الفساد، اتضحت معالم تحالف انتخابي غير معلن أو تنسيق على مستوى جيد بين حزبي الشعب الجمهوري والحركة القومية إضافة إلى جماعة الخدمة/كولن لإنجاح المرشح الأوفر حظاً في مواجهة العدالة والتنمية في الدوائر الانتخابية المختلفة، حتى وصل الأمر لترشيح حزب الشعب الجمهوري (العلماني الكمالي اليساري) لمرشحين يمينيين محسوبين على القوميين أو حتى مستقيلين من حزب العدالة والتنمية نفسه.

وفي ظل هذا الاستقطاب الكبير، الذي يبدو فيه العدالة والتنمية وحيداً أمام ثلاثة كتل تصويتية متضافرة، اتسمت الحملات الانتخابية للأحزاب المختلفة بجو التنافس الحزبي، وليس فقط التنافس الشخصي على منصب رئاسة البلدية. هكذا، غلبت أسماء الأحزاب على صفات المرشحين في الدعايات، وطغت إنجازات أو وعود الاحزاب على مؤهلات الأشخاص، وبرز الصراع السياسي والتراشق الإعلامي في خطاب المهرجانات الانتخابية، وقاد رؤساء الأحزاب بأنفسهم وبهمة عالية هذه المعركة الإعلامية قبل الاستحقاق الموعود.

من هنا، تبدو نتائج الجولة الانتخابية القادمة محورية جداً وذات دلالة من ثلاثة أبعاد:

أولاً، لجهة احتمال ترشح اردوغان لمنصب رئيس الجمهورية، حيث يتوقع ذلك إن حصل العدالة والتنمية على نسبة عالية من التصويت تشجعه على القيام بتعديلات دستورية تزيد من صلاحيات رئيس الجمهورية وتدعم ترشح اردوغان للرئاسة. بينما قد يضطر الحزب لتعديل نظامه الداخلي بحيث يسمح لرئيسه بالترشح للمرة الرابعة على التوالي، في حال خيبت الصناديق أمله بنتيجة ضعيفة.

ثانياً، تحديد مصير جماعة كولن وبدرجة أقل ربما العدالة والتنمية/الحكومة. حيث يتوقع أن تستمر الحكومة بحملتها ضد “التنظيم الموازي” (بمعنى قيادة الجماعة وأذرعتها في مختلف مؤسسات الدولة) بعد الانتخابات، ومن البديهي أن شراسة هذه الحملة ستزداد طردياً مع نسبة أصوات الحزب الحاكم. بينما ستكون ضربات الحكومة أقل حركة وإيلاماً إن فشلت في الحصول على تفويض انتخابي يدعم هذا التوجه.

ثالثاً، على المستوى الدولي، وهو بعد مهم قد يغيب عن الأذهان. إذ لا يتخيل أن تكون كل خطوات ترتيب القضايا والتنصت ومجابهة الحكومة من تخطيط وتنفيذ مجموعة منفردة مهما بلغت قوتها ونفوذها دون دعم خارجي، خاصة من الولايات المتحدة الأمريكية. وهكذا، فإن نسبة تصويت خجولة للعدالة والتنمية قد تذكي هذه الخطة وتسرعها (تقرير الاتحاد الأوروبي الأخير كانت الأسوأ على الإطلاق منذ بدء مفاوضات الانضمام)، بينما قد تضطر الولايات المتحدة للتوافق مع الحكومة وربما تسليمها كولن المقيم على أراضيها في حالة تحقيق العدالة والتنمية فوزاً كبيراً.

هكذا، ومن عدة زوايا، أمست الانتخابات القادمة بالضرورة أكبر من مجرد انتخابات محلية، بل أضحت معركة بقاء بالنسبة لجماعة الخدمة وساحة تحد يتواجد فيها العدالة والتنمية بقيادة اردوغان، وربما، بل على الأغلب، ستحدد هذه النتائج مصير أحد الطرفين إن لم يكن كليهما خلال الفترة القريبة بعيد الانتخابات، بما سيحدد بوصلة تركيا واستقرارها السياسي ونهضتها الاقتصادية وإصلاحاتها الديمقراطية على المديين القريب والبعيد.

 

شارك الموضوع :

اترك رداً