سعيد الحاج

طبيب وكاتب فلسطيني

باحث سياسي مختص في الشأن التركي

تسريب مصر وتسريب تركيا .. مشهد يختصر الحقيقة المرة

0

انشغل الرأي العام في مصر والعالم العربي في اليومين الماضيين بتسريب خطير بثته إحدى القنوات المصرية المعارضة للانقلاب، مصدره مكتب السيسي ويتناول أحاديث دارت على مدى ساعات وأيام بين مجموعة من “أكبر” قيادات العسكر في مصر في مرحلة خطيرة ومهمة (بعد الانقلاب مباشرة). كان همُّ مجموعة اللواءات والفرقاء في التسجيل هو “تزوير” محاضر رسمية واختلاق قرارات لا وجود لها، وتشييد أو هدم مباني قائمة فقط حتى لا يظهر للمحكمة أنهم لفقوا للرئيس السابق المنقلب عليه قضية التخابر وأن القبض عليه كان دون قرار نيابة أو محكمة، وأنه كان محتجزاً في قاعدة عسكرية وليس في سجن تابع لوزارة الداخلية، حتى لا “تبوظ” القضية.

في السابع والعشرين من آذار/مارس الماضي هزت تركيا أيضاً فضيحة تنصت تم تسريبها على الانترنت، وأدت إلى حظر اليوتيوب وتويتر فترة من الزمن، باعتبار أن التسجيل يشكل خطراً على الأمن القومي التركي. كان التنصت قد تم على اجتماع في غاية الأهمية والحساسية حول الأزمة السورية وخطر تهديد تنظيم الدولة “داعش” للمصالح التركية، شارك فيه وزير الخارجية أحمد داود أوغلو ورئيس جهاز الاستخبارات حاقان فيدان ونائب رئيس هيئة أركان الجيش التركي ياشار جولار.

والحقيقة التي لا بد من ذكرها هو أن التجسس موجود في كل البلاد، ومع التقنيات الحديثة والمتطورة لم يعد بالإمكان ربما منع كل عمليات التجسس. ولذلك فأكبر دول العالم مثل الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وغيرها يتم التجسس عليها، وفي أماكن حساسة مثل مكاتب الرؤساء وغيرها. إذاً، فموضوع حدوث تنصت في مكتب وزارة الدفاع أو غيرها من المناطق الحساسة ليس مفاجأة، وللأمانة فليس حدوث التنصت بحد ذاته مثلبة لعصابة الانقلاب كما ذهب البعض. فأين المشكلة إذاً؟

المشكلة برأيي في مضمون التسجيل التي تم بثه. ولعل المقارنة بينه وبين مضمون التسجيل/التسريب التركي يظهر المفارقة واضحة جلية.

في التسجيل التركي كان كبار رجال الدولة يناقشون الخطر القادم من خارج الحدود، بينما كان “كبار” رجال الدولة في مصر يناقشون تفصيل المؤامرة على رئيس منتخب.

في التسجيل التركي كانت مؤسسات الدولة المختلفة (وزارة الخارجية وجهاز الاستخبارات وقيادة الجيش) تناقش الاستراتيجية التركية لحماية أراضيها، بينما في مصر كان التسجيل يثبت كيف تلاعب مجموعة من العسكر لمصالحهم الشخصية بمصير ومستقبل بلادهم دون أي اعتبار للمؤسسات.

في التسجيل التركي كان المجتمعون يناقشون استراتيجيات وخططاً ويضعون الاحتمالات والسيناريوهات المختلفة على طاولة البحث، بينما في التسجيل المصري كان المجتمعون يناقشون سفاسف الأمور وصغائرها، من تزوير وتدليس وقلب للحقائق.

في التسجيل التركي كان الاجتماع لحماية حياة 50 جندياً تركيا يحمون ضريح “سليمان شاه” جد مؤسس الدولة العثمانية، والذي يعتبر أرضاً تركية داخل حدود سوريا (وفق اتفاقية سابقة مع فرنسا أيام انتدابها لسوريا)، بينما في التسجيل المصري تكلم البعض عن “الدم” الذي سفكوه لأن البعض لم يقم بعمله كما يجب، وتكلموا عن جنود أمن مركزي سيضعونهم ديكورات لتثبيت كذبتهم.

في التسجيل التركي نسب إلى فيدان قوله إنه يمكنه رمي بعض الصواريخ على الحدود مع سوريا وادعاء أنها قصف لتركيا من الأراضي السورية لافتعال حادثة تسمح لهم بالتدخل وحماية الضريح وحاميته، وهذا – بغض النظر عن مدى صحته أو توافقنا أو اختلافنا مع منطقه – يظهر كم يبلغ مدى احترام الدولة التركية لمسؤولياتها في حماية الأرض التركية والإنسان التركي. بينما في تسجيل مصر لا احترام لإنسان ولا لأرض ولا لدولة ولا لقضاء، إنما هي مصالح حفنة من الجنرالات تعصف بمصير البلاد.

بعد بث التسجيل في تركيا تم حظر بعض وسائل التواصل الاجتماعي للحد من انتشاره وتقليل ضرره على الأمن القومي التركي وتمت ملاحقة الفاعلين قانونياً وما زالت القضية متفاعلة أمام القضاء دون أن تستطيع الحكومة أن تفرض رأياً أو أن تسرع وتيرة القضية حتى. أما في مصر، فتخبط القوم ولم يصدر تصريح معتبر حول الحادثة على أهميتها وخطورتها، وتجاهلها الإعلام (واضح أن ذلك كان بتعليمات) وتم اختلاق بعض الإشاعات لشغل الرأي العام عنها، ووصل الأمر أن يقوم “رئيس الجمهورية” بمداخلة تلفونية على إحدى القنوات الفضائية في مشهد أزعم أنك لن تراه في دولة تحترم نفسها.

لقد أظهر تفاعل القضية في تركيا ماذا يصنع احترام الديمقراطية ووصول من يختارهم الشعب إلى سدة السلطة في فترة وجيزة، وهي التي كان حالها كمصر ومعظم دول العالم الثالث قبل 15 عاماً فقط. أما في مصر، فطرح التسريب سؤالاً مهماً ووجيهاً: إذا كان هذا ما كان يناقشه ويفعله هؤلاء على مدى ساعات وأيام في أحد أخطر الفترات في مصر، فمن ترى كان يقرر في قضايا مصر الهامة والحساسة ويقود البلاد؟ أخشى أنهم هم أنفسهم ربما لا يعرفون.

شارك الموضوع :

اترك رداً