التوازن والشراكات في السياسة الخارجية التركية

0

يبدو لي في كثير من الأحيان أن موقع تركيا الوسطي بين قارات العالم القديم وعلى خطوط عبور النفط وكونها محطة للاستثمار الخارجي يجعلها دولة “وسطاً” من عدة زوايا، بمعنى أنها لا تملك أن تكون يوماً دولة عظمى بل أقصاه أن تصبح دولة إقليمية قوية أو “دولة مركز” في محيطها الجغرافي والحضاري وفق تعبير داود أوغلو، وبمعنى أنها لا تريد أن تكون عضواً في محور واحد على الساحة الدولية، وهو مناط علم الجيوبوليتيك على أي حال أي تأثير الجغرافيا على السياسة – سيما السياسة الخارجية – لدولة من الدول.

فمما ميز السياسة الخارجية التركية في عهد العدالة والتنمية أنها أرادت وحققت علاقات جيدة مع مختلف الأطراف، المتنازعة أو المتواجهة أحياناً. فعلى المستوى الإقليمي تمتعت أنقرة لفترة طويلة بعلاقات جيدة مع محوري العالم العربي أي محوري الاعتدال والممانعة كما سميا في حينها، وهو الأمر الذي استمر حتى الثورة السورية. أما على المستوى الدولي فحاولت تركيا بلورة سياسة خارجية “متعددة الأبعاد” والمحاور، فلم تكتف بالمحور الغربي المتمثل بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو بل سعت لعلاقات متميزة – سيما في الجانب الاقتصادي – مع روسيا وقدمت طلباً للانضمام لمنظمة “شنغهاي” ورغبت في صفقة سلاح صينية (من خارج حلف الناتو)، الأمر الذي سبب لها مشاكل إضافية مع حلفائها الغربيين، وهو المسار الذي تعرض لانتكاسة مع أزمة أزمة إسقاط المقاتلة الروسية

في تشرين الثاني/نوفمبر الفائت.

السمة الثانية للسياسة الخارجية التركية مع العدالة والتنمية والمنبثقة من واقعها الجغرافي وإمكاناتها المختلفة هي البحث عن شراكات في الإقليم، حيث تسعى لدور مميز ورائد لكنها لا تستطيعه لوحدها، ربما لأنها لا تملك الإمكانات التي تمكنها من ذلك وربما لأنها لا تريد أن يُفهم ذلك بشكل خاطئ (نظريات العثمانية الجديدة وغيرها) وربما للأمرين معاً أو لغيرهما من العوامل.

قدم داود أوغلو نظرية “مثلث المنطقة” المكون من تركيا وإيران ومصر الذي لا يمكن للمنطقة أن تستقر وتتقدم من دونه، بيد أن هذا المثلث لم يكتمل يوماً لأسباب تتعلق بإيران وسياساتها في المنطقة ثم مصر وأوضاعها. مع الثورات العربية، راهنت أنقرة على نظام إقليمي جديد تكون لها فيه الريادة بالشراكة مع مصر (أسمته محور الديمقراطية) بيد أن الثورة المضادة، سيما الانقلاب في مصر، أطاحت بهذا المحور/النظام قبل أن يتشكل. طورت أنقرة علاقاتها بشكل متميز واستراتيجي مع الدوحة، ولا زالت، لكن من الواضح أن الأخيرة لا تملك مقومات إقامة “تحالف” أو “محور” لوحدها مع تركيا. ومع استلام الملك سلمان الحكم في السعودية سعت تركيا لعلاقات متميزة معها خصوصاً بسبب المهددات المشتركة في الإقليم، وتحدث الكثيرون لأشهر طويلة عن “المحور السعودي  – التركي” أو “التحالف التركي – السعودي” الذي لطالما رأيتُ أنه فكرة ضخمت كثيراً بسبب رغبة عدة أطراف بتحققها لكنها لم تصل يوماً لمستوى التحالف أو المحور بل كانت تعاوناً وتنسيقاً بمستوى جيد في أحسن الأحوال.

اليوم، وبعد المحاولة الانقلابية في 15 تموز/يوليو، لا أجد أن المبدأين قد تغيرا في سياسة تركيا الخارجية. ربما تغير الفاعلون، لكن المبدأ هو نفسه: ما زالت أنقرة تبحث عن شراكات وتسعى للتوازن وتعدد المحاور في سياستها الخارجية.

الشيء الجديد في نهج أنقرة، والذي يبدو أن أطرافاً كثيرة لم تدرك جديته بعد، أن الانقلاب الذي كان منعطفاً تاريخياً خطيراً وحاسماً قد أعطى للسياسة التركية شيئاً أو بُعداً من “الثورية” في افتراق واضح عن منهج الإصلاح المتدرج السابق (في الداخل والخارج سواء بسواء)، وأن مواقف الدول المختلفة خلال وبعد الانقلاب جزء مهم من تقييم أنقرة للعلاقة معها، ولعل ذلك جزء مهم من التقارب التركي مع كل من روسيا وبدرجة أقل إيران مؤخراً رغم أن عوامل التقارب أوسع وأعمق من ذلك وكثير منها كان حاضراً منذ ما قبل الانقلاب.

هذه المقاربة المختصرة ينبغي أن تكون حاضرة في ذهن صانع القرار العربي الذي يتابع التطورات ويحاول تقييم السياسة الخارجية التركية وعلاقات بلاده معها وآفاقها المستقبلية. ولأنني أعتقد أنها حاضرة – هكذا أفترض – أمام عيون الدول العربية، فساعتها يفرض السؤال نفسه أكثر من ذي قبل: إذا كان من المتفهم “تمهل” بعض الدول في تصريحاتها ومواقفها ليلة الانقلاب لأسباب قد تكون متفهمة أو غير متفهمة من جانب القيادة التركية، فما الذي يمنع الزيارات الرسمية العربية حتى الآن إلى أنقرة، حيث لم يصلها وفق متابعتي إلا وزير الخارجية القطري ثم الملك البحريني مؤخراً بعد ما يقرب من شهرين من الانقلاب؟.

أكثر من ذلك، لم يبد حتى الآن أن هناك تنسيقاً بين تركيا وحلفائها العرب في عملية “درع الفرات” في الشمال السوري التي لطالما سعت هذه الأطراف إليها، ولا يبدو حتى أن المواقف مؤيدة لها بشكل واضح لا لبس فيه، على الأقل من بعض الأطراف. صحيح أن كاتب هذه السطور نافح كثيراً عن فكرة المبالغة في متغيرات السياسة الخارجية السعودية مثلاً، لكن الأمر يكتنفه العديد من علامات الاستفهام مؤخراً حول مواقف الرياض ونظرتها للعلاقة مع أنقرة.

هذه الإشارات السريعة تكتسب مؤخراً أهمية استثنائية إضافية لكل ما سبق ذكره، باعتبار أن المحاولة الانقلابية ساهمت في تسريع عملية إخراج السياسة الخارجية التركية من إطار القوة الناعمة الخالصة إلى المبادرة والقوة الخشنة والمغامرات العسكرية خارج الحدود (وهو توجه كان له إشاراته منذ ما قبل الانقلاب على أي حال) وإلى تسويات سياسية على أكثر من محور ومع أكثر من طرف، بما يعطي لمواقف الدول المختلفة أهمية ملحة على مستقبل العلاقات، كما أن عامل الزمن وتبكير المواقف والمبادرات يلعب دوراً محورياً في هذا السياق.

شارك الموضوع :

اترك رداً